ابن تيمية

74

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

إذا خير بين الإطعام والكسوة والعتق ، فإنه وإن كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل المفضول ، وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل وإن كان أحدهما أفضل ، وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره وإن كان أحدهما أفضل ، وكذلك تخيير الأكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة وإن كان نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى إذا تعين المأكول وجب أكله وإن كان ميتة ، فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها في المشهور عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم ، وكذلك تخيير الحاج بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين يخيرون الثلاثة ، ويخير المسافر بين الفطر والصوم عند الجمهور . وأما من يقول لا يجوز أن يحج إلا متمتعا وأنه يتعين الفطر في السفر ، كما يقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة فلا يجيء هذا على أصلهم ، وكذلك القصر عند الجمهور الذين يقولون : ليس للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ليس له أن يصلي أربعا ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في السفر قط إلا ركعتين ولا أحد من أصحابه في حياته ، وحديث عائشة التي تذكر فيه : « أنه - أو : أنها - صلت في حياته في السفر أربعًا » ، كذب عند حذاق أهل العلم بالحديث كما قد بسط في موضعه . إذ المقصود هنا : أن التخيير في الشرع نوعان فمن خير فيما يفعله لغيره بولايته عليه أو بوكالة مطلقة لم يبح له فيها فعل ما شاء ، فعليه أن يختار الأصلح . وأما من تصرف لنفسه فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده ، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الآراء ، بل وأصلح الأحكام في نفس الأمر ، وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التي خير بينهما كما تقدم ، هذا إذا كان مكلفًا .